ابن الجوزي

43

زاد المسير في علم التفسير

وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ( 154 ) قوله تعالى : ( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ) قال ابن قتيبة : الأمنة : الأمن . يقال : وقعت الأمنة في الأرض . وقال الزجاج : معنى الآية : أعقبكم بما نالكم من الرعب أن أمنكم أمنا تنامون معه ، لأن الشديد الخوف لا يكاد ينام . و " نعاسا " منصوب على البدل من " أمنة " ، يقال : نعس الرجل ينعس نعاسا ، فهو ناعس . وبعضهم يقول : نعسان . قال الفراء : قد سمعتها ، ولكني لا أشتهيها . قال العلماء : النعاس : أخف النوم . وفي وجه الامتنان عليهم بالنعاس قولان : أحدهما : أنه أمنهم بعد خوفهم حتى ناموا ، فالمنة بزوال الخوف ، لأن الخائف لا ينام . والثاني : قواهم بالاستراحة على القتال . قوله تعالى : ( يغشى طائفة منكم ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، وابن عامر : " يغشى " بالياء مع التفخيم ، وهو يعود إلى النعاس . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وخلف " تغشى " بالتاء مع الإمالة ، وهو يرجع إلى الأمنة . فأما الطائفة التي غشيها النوم ، فهم المؤمنون ، والطائفة الذين أهمتهم أنفسهم : المنافقون ، أهمهم خلاص أنفسهم ، فذهب النوم عنهم . قال أبو طلحة : كان السيف يسقط من يدي ، ثم آخذه ، ثم يسقط ، وآخذه من النعاس . وجعلت أنظر ، وما منهم أحد يومئذ إلا يميد تحت حجفته من النعاس . وقال الزبير : ارسل الله علينا النوم ، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره ، فوالله إني لأسمع كالحلم قول معتب بن قشير : ( لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا ) ، فحفظتها منه . قوله تعالى : ( يظنون بالله غير الحق ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أنهم ظنوا أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أنهم كذبوا بالقدر ، رواه الضحاك ، عن ابن عباس . والثالث : أنهم ظنوا أن محمدا قد قتل ، قاله مقاتل . والرابع : ظنوا أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم مضمحل ، قاله الزجاج . قوله تعالى : ( ظن الجاهلية ) قال ابن عباس : أي : كظن الجاهلية . قوله تعالى : ( يقولون هل لنا من الأمر من شئ ) لفظه لفظ الاستفهام ، ومعناه : الجحد ،